عرض مشاركة واحدة

قديم 06-20-2013, 10:17 PM   #1


 الصورة الرمزية الدمشقي

 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
الدولة: دمشق الفيحاء
المشاركات: 2,599
Lightbulb لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ..

{ كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ }


يشكل انهيار العلاقات الاجتماعية إحدى أهم المشكلات التي تعانى منها المجتمعات الحديثة
حيث نما الشعور بالفردية والتوحد ، وحُكمت المصالح الخاصة في كثير من شئون الحياة ، وقد
أصاب أمة الإسلام شيء من ذلك ، فاضمحلت ضوابط التربية الاجتماعية التي تشكل الحس
الجماعي لدى الفرد المسلم مما أشاع الفوضى الفكرية والاجتماعية ، وضخم مشاكل المسلمين
الاقتصادية لأن عمليات التنمية لا تتم على ما ينبغي في مجتمع واهي الروابط مختلف الأفكار
والمفاهيم .
ومن هنا شددت تعاليم الإسلام على ضرورة المحافظة على العلاقات الاجتماعية وإقامتها
باستمرار على هدي الرسالة الخاتمة التي تعد استمراراً لدعوات الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام .
وتحقيقاً لذلك التواصل قصَّ الله تعالى علينا أخبار الأمم السابقة والعواقب الوخيمة التي انتهوا
إليها حين شاعت فيهم الانحرافات والمخالفات دون أن يرفع أحد منهم رأساً أو يقول كلمة
لأولئك الذين يستعجلون أيام الله لأنفسهم ولأممهم فقال تعالى : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي
إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ، كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ
عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ }
[المائدة: 78-79]


فقد أجرم القوم مرتين : مرة حين وقعوا في الآثام ، وأخرى حين تركوا المعاصي تشيع فيهم
دون أن تسود فيهم روح التناهي عنها .


وقد جاء في الحديث ما يفسر تدرجهم نحو الحال التي استوجبت لهم اللعن ، فقد روى ابن
مسعود عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : " إن أول ما دخل النقص على بني
إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول : يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ، ثم
يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك
ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا .. }

لقد طال العهد بصالحي بني إسرائيل فبدأت المناكر تزحف إلى حياتهم عن طريق أهل الأهواء
والشهوات ، وكان فيهم صالحون فقاموا ونهوا أصحاب المعاصي ووعظوهم ولكن هؤلاء تأصل
فيهم المنكر وصار النزوع عنه أمراً عسيراً ، وكان الأمر يتطلب من صالحيهم جلداً وصبراً
ومفاصلة إلا أن درجة التوتر الحيوي عند أولئك الصالحين لم تكن كافية بحيث يشعرون بالتميز
ويشكلون تياراً نشطاً يحاصر أولئك العصاة ويشعرهم بالشذوذ والإثم ...


وكانت المرحلة التالية سيطرة شعور العجز والضعف على أولئك الصالحين مما جعلهم يخالطون
أهل المعاصي ويرضون عن أعمالهم أو يظهر للناظر أنهم كذلك فضاعت معالم الحق وجاءت
أجيال تالية فنشأت في الانحراف وشبت فيه وصار التفريق بين المعروف والمنكر أمراً غير
متيسر لكل الناس .
وكانت العاقبة أن ضرب الله قلوبهم بعضهاً ببعض ، وهذه العبارة في الحديث النبوي ترمز إلى
حالة من الفوضى المصحوبة بالعذاب حيث فقدت تجمعاتهم الشروط الضرورية لبقائهم
واستمرارهم المادي والمعنوي فكانت أيام الله في خاتمة المطاف جزاء ما فعلوا .
إن كل مجتمع مهما بلغ من الفضل والرقي لا يستغنى عن شريحة فيه تتمثل فيها المثل العليا لذلك
المجتمع تحفظ عليه وجوده المعنوي المتمثل في عقيدته وأخلاقه وضوابط علاقاته وهؤلاء يمثلون
الخيرية في ذلك المجتمع كما قال عليه الصلاة والسلام : " ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان
له في أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف
يقولون مالا يفعلون ... "
[رواه مسلم ]

إن هؤلاء الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر يملكون من التوهج في أرواحهم والحيوية في
نفوسهم ما يجعل همَّ مجتمعهم همهم الأكبر ، فيسعد بهم ذلك المجتمع إذ يحفظون عليه توازنه
واستقامته وشروط استمراره ، وكما لا يشترط لصحة المجتمع جسمياً وبيئياً أن يكون كل
أفراده من الأطباء كذلك لا يشترط في المجتمع المسلم أن يكون كل أفراده من الدعاة الناصحين
ولكن ينبغي أن تتوفر نسبة كافية في المجتمع مسموعة الصوت واضحة التأثير تملأ الفراغ الثقافي
وتملك من الوسائل المؤثرة ما يسمح باستمرار وضوح جادة الحق والخير والصواب ويسمح
باستمرار سنة المدافعة بين الحق والباطل على وجه مكافىء وهذا ما يشير إليه قوله عز
اسمه :
{ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ
المُفْلِحُونَ }
[آل عمران: 104]


وقد جرت سنة الله في الابتلاء أن تلقى هذه الفئة الطيبة الخيرة المُحَارَبة دائماً وتلقى الأذية
والعنت وما ذلك إلا لأنها تسير في الاتجاه المضاد لأهل الشهوات والأهواء الذين يمكن أن
نسميهم بـ ( المختزلة ) حيث يكثفون هموم البشرية كلها في هم واحد هو همهم ، ويتجاوزون
رغبات الخلق ومصالحهم مهما عظمت إلى رغباتهم ومصالحهم هم ؟؟

أ.د. عبدالكريم بكار

__________________

الدمشقي غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس