تفعيل العضوية طلب رقم تفعيل العضوية استرجاع كلمة المرور المفقودة

أي دعاية لموقع أو ايميل سيعرض صاحبه للتوقيف
إضافة على المسنجر للذين يواجهون صعوبة في التسجيل أو الدخول للمنتدى
msn : support@rehabmaroc.com

إضافة رد


قديم 05-14-2010, 10:55 PM   #21


 الصورة الرمزية egystar

 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
الدولة: facebook.com/back.book.50
المشاركات: 1,593
افتراضي

يتبع...(ان شاء الله )
egystar غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 05-14-2010, 11:05 PM   #22


إدارية سابقة

 الصورة الرمزية layla

 
تاريخ التسجيل: Oct 2008
الدولة: في قلب امي
المشاركات: 6,289
افتراضي

جزاك الله خير الجزاء يااخي محمد

على هدا العمل الصالح جعله الله في موازين حسناتك

في امان الله

__________________

layla غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 05-15-2010, 12:28 PM   #23


 الصورة الرمزية egystar

 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
الدولة: facebook.com/back.book.50
المشاركات: 1,593
افتراضي

اقتباس
مشاهدة المشاركة المشاركة الأصلية كتبت بواسطة layla
جزاك الله خير الجزاء يااخي محمد

على هدا العمل الصالح جعله الله في موازين حسناتك

في امان الله


بارك الله فيكى اختى ليلى..
فى امان الله..

__________________

egystar غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 05-15-2010, 10:41 PM   #24


 الصورة الرمزية egystar

 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
الدولة: facebook.com/back.book.50
المشاركات: 1,593
افتراضي

القصه الثانيه عشر




أيوب عليه السلام

كان أيوب -عليه السلام- نبيا كريمًا يرجع نسبه إلى إبراهيم الخليل -عليه السلام-،
قال تعالى: (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون)
[الأنعام: 84].

وكان أيوب كثير المال والأنعام والعبيد، وكان له زوجة طيبة وذرية صالحة؛ فأراد الله أن يختبره ويمتحنه، ففقد ماله، ومات أولاده، وضاع ما عنده من خيرات ونعم، وأصابه المرض، فصبر أيوب على ذلك كله، وظل يذكر الله
-عز وجل- ويشكره.


ومرت الأيام،وكلما مر يوم اشتد البلاء على أيوب، إلا أنه كان يلقى البلاء الشديد بصبر أشد، ولما زاد عليه البلاء، انقطع عنه الأهل، وابتعد عنه الأصدقاء، فصبر ولم يسخط أو يعترض على قضاء الله.
وظل أيوب في مرضه مدة طويلة لا يشتكي، ولا يعترض على أمر الله، وظل صابرًا محتسبًا يحمد الله ويشكره، فأصبح نموذجا فريدًا في الصبر والتحمل.
وبعد طول صبر، توجه أيوب إلى ربه؛ ليكشف عنه ما به من الضر والسقم:
(أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين)
[الأنبياء: 83]

، فأوحى الله إلى أيوب أن يضرب الأرض بقدمه، فامتثل أيوب لأمر ربه، فانفجرت عين ماء باردة فاغتسل منها؛ فشفي بإذن الله، فلم يبق فيه جرح إلا وقد برئ منه، ثم شرب شربة فلم يبق في جوفه داء إلا خرج، وعاد سليمًا، ورجع كما كان شابًا جميلاً،
قال تعالى:
(فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر)
[الأنبياء: 84].

ونظرت زوجة أيوب إليه، فوجدته في أحسن صورة، وقد أذهب الله عنه ما كان به من ألم وأذى وسقم ومرض، وأصبح صحيحًا معافى، وأغناه الله، ورد عليه ماله وولده،
قال تعالى:
(وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا)
[الأنبياء: 84].

وقد جعل الله -عز وجل- أيوب -عليه السلام- أسوة وقدوة لكل مؤمن ابتلي في جسده أو ماله أو ولده، حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من ذلك فصبر واحتسب حتى فرج الله عنه. قال النبي صلى الله عليه وسلم :
"بينما أيوب يغتسل عريانًا خرَّ عليه رِجْل جراد
(جماعة من الجراد)
من ذهب،
فجعل يحثي (يأخذ بيديه) في ثوبه، فناداه ربه:
يا أيوب
، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟
قال:
بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك"
[البخاري].



يتبع...

__________________

egystar غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 05-15-2010, 10:51 PM   #25


 الصورة الرمزية egystar

 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
الدولة: facebook.com/back.book.50
المشاركات: 1,593
افتراضي

القصه الثالثه عشر





ذو الكفل عليه السلام


أحد أنبياء الله، ورد ذكره في القرآن الكريم مرتين، فقد مدحه الله -عز وجل- وأثنى عليه لصبره وصلاحه، وصدقه، وأمانته وتحمله لكثير من المصاعب والآلام في سبيل تبليغ دعوته إلى قومه، ولم يقصَّ الله -عز وجل- لنا قصته، ولم يحدد زمن دعوته، أو القوم الذين أرسل إليهم.


قال تعالى:
(وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين. وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين)
[الأنبياء: 85-86].
وقال تعالى:
(واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار)
[ص: 48].


من الأنبياء الصالحين، وكان يصلي كل يوم مائة صلاة، قيل إنه تكفل لبني قومه أن يقضي بينهم بالعدل ويكفيهم أمرهم ففعل فسمي بذي الكفل.قال أهل التاريخ ذو الكفل هو ابن أيوب عليه السلام وأسمه في الأصل (بشر) وقد بعثه الله بعد أيوب وسماه ذا الكفل لأنه تكفل ببعض الطاعات فوقي بها، وكان مقامه في الشام وأهل دمشق يتناقلون أن له قبرا في جبل هناك يشرف على دمشق يسمى قاسيون. إلا أن بعض العلماء يرون أنه ليس بنبي وإنما هو رجل من الصالحين من بني إسرائيل. وقد رجح ابن كثير نبوته لأن الله تعالى قرنه مع الأنبياء فقال عز وجل:
وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ

(85) (الأنبياء)


قال ابن كثير : فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه مقرونا مع هؤلاء السادة الأنبياء أنه نبي عليه من ربه الصلاة والسلام وهذا هو المشهور.والقرآن الكريم لم يزد على ذكر اسمه في عداد الأنبياء أما دعوته ورسالته والقوم الذين أرسل إليهم فلم يتعرض لشيء من ذلك لا بالإجمال ولا بالتفصيل

لذلك نمسك عن الخوض في موضوع دعوته حيث أن كثيرا من المؤرخين لم يوردوا عنه إلا الشيء اليسير. ومما ينبغي التنبه له أن (ذا الكفل) الذي ذكره القرآن هو غير (الكفل) الذي ذكر في الحديث الشريف ونص الحديث كما رواه الأمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع عن ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينار على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت فقال لها ما يبكيك ؟ أكرهتك ؟ قالت : لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط وإنما حملتني عليه الحاجة ..قال : فتفعلين هذا ولم تفعليه قط ؟ ثم نزل فقال أذهبي بالدنانير لك ، ثم قال : والله لا يعصي الله الكفل أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه : قد غفر الله للكفل). رواه الترمذي وقال: حديث حسن وروي موقوفا على ابن عمر وفي إسناده نظر. فإن كان محفوظا فليس هو ذا الكفل وإنما لفظ الحديث الكفل من غير إضافة فهو إذا رجل آخر غير المذكور في القرآن.


ويذكر بعض المؤرخين أن ذا الكفل تكفل لبني قومه أن يكفيهم أمرهم ويقضي بينهم بالعدل فسمي ذا الكفل وذكروا بعض القصص في ذلك ولكنها قصص تحتاج إلى تثبت وإلى تمحيص وتدقيق.أما من يقول أن ذو الكفل لم يكن نبيا وإنما كان رجلا صالحا من بني إسرائيل فيروي أنه كان في عهد نبي الله اليسع عليه السلام. وقد روي أنه لما كبر اليسع قال لو أني استخلفت رجلاً على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل؟ فجمع الناس فقال: من يتقبل لي بثلاث استخلفه: يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب. فقام رجل تزدريه العين، فقال: أنا، فقال: أنت تصوم النهار، وتقوم الليل، ولا تغضب؟ قال: نعم. لكن اليسع -عليه السلام- ردّ الناس ذلك اليوم دون أن يستخلف أحدا. وفي اليوم التالي خرج اليسع -عليه السلام- على قومه وقال مثل ما قال اليوم الأول، فسكت الناس وقام ذلك الرجل فقال أنا. فاستخلف اليسع ذلك الرجل.

فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان، فأعياهم ذلك. فقال دعوني وإياه فأتاه في صورة شيخ كبير فقير، وأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام الليل والنهار، إلا تلك النّومة فدقّ الباب. فقال ذو الكفل: من هذا؟ قال: شيخ كبير مظلوم. فقام ذو الكفل ففتح الباب. فبدأ الشيخ يحدّثه عن خصومة بينه وبين قومه، وما فعلوه به، وكيف ظلموه، وأخذ يطوّل في الحديث حتى حضر موعد مجلس ذو الكفل بين الناس، وذهبت القائلة. فقال ذو الكفل: إذا رحت للمجلس فإنني آخذ لك بحقّك.

فخرج الشيخ وخرج ذو الكفل لمجلسه دون أن ينام. لكن الشيخ لم يحضر للمجلس. وانفض المجلس دون أن يحضر الشيخ. وعقد المجلس في اليوم التالي، لكن الشيخ لم يحضر أيضا. ولما رجع ذو الكفل لمنزله عند القائلة ليضطجع أتاه الشيخ فدق الباب، فقال: من هذا؟ فقال الشيخ الكبير المظلوم. ففتح له فقال: ألم أقل لك إذا قعدت فاتني؟ فقال الشيخ: إنهم اخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا لي نحن نعطيك حقك، وإذا قمت جحدوني. فقال ذو الكفل: انطلق الآن فإذا رحت مجلسي فأتني.

ففاتته القائلة، فراح مجلسه وانتظر الشيخ فلا يراه وشق عليه النعاس، فقال لبعض أهله: لا تدعنَّ أحداً يقرب هذا الباب حتى أنام، فإني قد شق عليّ النوم. فقدم الشيخ، فمنعوه من الدخول، فقال: قد أتيته أمس، فذكرت لذي الكفل أمري، فقالوا: لا والله لقد أمرنا أن لا ندع أحداً يقربه. فقام الشيخ وتسوّر الحائط ودخل البيت ودق الباب من الداخل، فاستيقظ ذو الكفل، وقال لأهله: ألم آمركم ألا يدخل علي أحد؟ فقالوا: لم ندع أحدا يقترب، فانظر من أين دخل. فقام ذو الكفل إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه؟ وإذا الرجل معه في البيت، فعرفه فقال: أَعَدُوَّ اللهِ؟ قال: نعم أعييتني في كل شيء ففعلت كل ما ترى لأغضبك.
فسماه الله ذا الكفل لأنه تكفل بأمر فوفى به!





__________________

egystar غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 05-15-2010, 11:00 PM   #26


 الصورة الرمزية egystar

 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
الدولة: facebook.com/back.book.50
المشاركات: 1,593
افتراضي

يتبع(ان شاء الله)
egystar غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 05-18-2010, 12:19 PM   #27


 الصورة الرمزية egystar

 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
الدولة: facebook.com/back.book.50
المشاركات: 1,593
افتراضي


القصه الرابعه عشر




يونس عليه السلام


في أرض الموصل بالعراق، كانت هناك بلدة تسمى "نينوي"، انحرف أهلها عن منهج الله، وعن طريقه المستقيم، وصاروا يعبدون الأصنام، ويجعلونها ندًّا لله وشريكًا له، فأراد الله أن يهديهم إلى عبادته، والى طريقه الحق، فأرسل إليهم يونس -عليه السلام-، ليدعوهم إلى الإيمان، وترك عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، لكنهم رفضوا الإيمان بالله، وتمسكوا بعبادة الأصنام، واستعمروا على كفرهم وضلالهم دون أن يؤمن منهم أحد، بل إنهم كذَّبوا يونس وتمردوا عليه، واستهزءوا به، وسخروا منه. فغضب يونس من قومه، ويئس من استجابتهم له، فأوحى الله إليه أن يخبر قومه بأن الله سوف يعذبهم بسبب كفرهم.


فامتثل يونس لأمر ربه، وبلغ قومه، ووعدهم بنزول العذاب والعقاب من الله تعالى، ثم خرج من بينهم، وعلم القوم أن يونس قد ترك القرية، فتحققوا حينئذ من أن العذاب سيأتيهم لا محالة، وأن يونس نبي لا يكذب، فسارعوا، وتابوا إلى الله سبحانه، ورجعوا إليه وندموا على ما فعلوه مع نبيهم، وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات خوفًا من العذاب الذي سيقع عليهم، فلما رأى الله -سبحانه- صدق توبتهم ورجوعهم إليه، كشف عنهم العذاب، وأبعد عنهم العقاب بحوله وقوته ورحمته.
قال تعالى:
(فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين)
[يونس: 98].

وبعد خروج يونس من قريته، ذهب إلى شاطئ البحر، وركب سفينة، وفي وسط البحر هاجت الأمواج واشتدت الرياح، فمالت السفينة وكادت تغرق. وكانت السفينة محملة بالبضائع الثقيلة، فألقى الناس بعضًا منها في البحر، لتخفيف الحمولة، ورغم ذلك لم تهدأ السفينة، بل ظلت مضطربة تتمايل بهم يمينًا ويسارًا فتشاوروا فيما بينهم على تخفيف الحمولة البشرية، فاتفقوا على عمل قرعة والذي تقع عليه؛ يرمي نفسه في البحر.

فوقعت القرعة على نبي الله يونس، لكن القوم رفضوا أن يرمي يونس نفسه في البحر، وأعيدت القرعة مرة أخرى، فوقعت على يونس، فأعادوا مرة ثالثة فوقعت القرعة عليه أيضًا، فقام يونس-عليه السلام-وألقى بنفسه في البحر، وكان في انتظاره حوت كبير أرسله الله له، وأوحى إليه أن يبتلع يونس دون أن يخدش له لحمًا، أو يكسر له عظمًا؛ ففعل،
قال تعالى:
(وإن يونس لمن المرسلين. إذ أبق إلى الفلك المشحون. فساهم فكان من المدحضين. فالتقمه الحوت وهو مليم)
[الصافات: 139-142].

وظل يونس في بطن الحوت بعض الوقت، يسبح الله -عز وجل-، ويدعوه أن ينجيه من هذا الكرب،
قال تعالى:
(وذا النون إذ ذهب مغاضبًا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين)[الأنبياء: 87-88].

وأمر الله الحوت أن يقذفه على الساحل، ثم أنبت عليه شجرة ذات أوراق عريضة تظلله وتستره وتقيه حرارة الشمس،
قال تعالى:
(فنبذناه بالعراء وهو سقيم. وأنبتنا عليه شجرة من يقطين)
[الصافات: 145-146].

وأمر الله يونس أن يذهب إلى قومه؛ ليخبرهم بأن الله تاب عليهم، ورضى عنهم، فامتثل يونس لأمر ربه، وذهب إلى قومه، وأخبرهم بما أوحى إليه، فآمنوا به فبارك الله لهم في أموالهم وأولادهم.
قال تعالى:
(أرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون. فآمنوا فمتعناهم إلى حين)
[الصافات: 147-148].
وقد أثنى الله -عز وجل- على يونس في القرآن الكريم،
قال تعالى:
(وإسماعيل والسع ويونس ولوطًا وكلا فضلنا على العالمين)
[الأنعام: 86].
كما أثنى النبي ص على يونس-عليه السلام-
فقال:
"لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى"
[متفق عليه].

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم
أن الذي تصيبه مصيبة أو شر ثم يدعو بدعاء يونس-عليه السلام-، يفرِّج الله عنه،
فقال صلى الله عليه وسلم
"دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له"

[الترمذي].

__________________

egystar غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 05-18-2010, 12:22 PM   #28


 الصورة الرمزية egystar

 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
الدولة: facebook.com/back.book.50
المشاركات: 1,593
افتراضي

القصه الخامسة عشر



شعيب عليه السلام

على أرض مدين، وهي منطقة بالأردن الآن، كان يعيش قوم كفار يقطعون الطريق، ويسلبون أموال الناس الذين يمرون عليهم، ويعبدون شجرة كثيفة تسمى الأيكة. وكانوا يسيئون معاملة الناس، ويغشُّون في البيع والشراء والمكيال والميزان، ويأخذون ما يزيد عن حقهم. فأرسل الله إليهم رجلاً منهم هو رسول الله شعيب-عليه السلام-، فدعاهم إلى عبادة الله وعدم الشرك به، ونهاهم عن إتيان الأفعال الخبيثة، من نقص الناس أشياءهم، وسلب أموال القوافل التي تمر بديارهم.
فقال لهم:
(يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين)
[الأعراف: 85].

وظل شعيب يدعو قومه ويبين لهم الحق، فآمن به عدد قليل من قومه وكفر أكثرهم، لكن شعيبا لم ييأس من عدم استجابتهم، بل أخذ يدعوهم، ويذكر لهم نعم الله التي لا تحصى، وينهاهم عن الغش في البيع والشراء.
لكن قومه لم يتقبلوا كلامه، ولم يؤمنوا به، بل قالوا له على سبيل الاستهزاء والتهكم:
(يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد)
[هود: 87].

فرد عليهم شعيب بعبارة لطيفة، يدعوهم فيها إلى الحق
(قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقًا حسنًا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب)
[هود: 88].

وهكذا كان نبي الله شعيب قوي الحجة في دعوته إلى قومه، وقد سماه المفسرون خطيب الأنبياء لبراعته، ثم قال لهم ليخوفهم من عذاب الله:
(ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد)
[هود: 89].



فأخذوا يهددونه ويتوعدونه بالقتل لولا أهله وعشيرته،
وقالوا له:
(يا شعيب ما نفقه كثيرًا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز)
[هود: 91].
فقال لهم:
(يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريًّا إن ربي بما تعملون محيط)
[هود: 92].



ثم أخذ يهددهم ويخوفهم من عذاب الله إن استمروا على طريق الضلال والعصيان، وعند ذلك خيره قومه بين أمرين: إما العودة إلى دين الآباء والأجداد، أو الخروج من البلاد مع الذي آمنوا معه، ولكن شعيبًا والذين آمنوا معه يثبتون على إيمانهم، ويفوضون أمرهم لله. فما كان من قومه ألا أن اتهموه بالسحر والكذب، وسخروا من توعده إياهم العذاب، ويستعجلون هذا العذاب إن كان حقًّا. فدعا شعيب ربه
قائلاً:
(ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين )
[الأعراف: 89]،



فطلب الله سبحانه من شعيب أن يخرج هو ومن آمن معه؛ لأن العذاب سينزل بهؤلاء المكذبين، ثم سلط الله على الكفار حرًّا شديدًا جفت منه الزروع والضروع والآبار، فخرج الناس يلتمسون النجاة، فإذا بسحابة سوداء، فظنوا أن فيها المطر والرحمة، فتجمعوا تحتها حتى أظلتهم، لكنها أنزلت عليهم حممًا حارقة، ونيرانا ملتهبة أحرقتهم جميعًا، واهتزت الأرض، وأخذتهم صيحة أزهقت أرواحهم، وحولتهم إلى جثث هامدة لا حراك فيها ولا حياة. ونجي الله شعيبًا والذين آمنوا معه من العذاب الأليم،
قال تعالى:
(ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود)
[هود: 94-95].

__________________

egystar غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 05-18-2010, 01:01 PM   #29


 الصورة الرمزية egystar

 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
الدولة: facebook.com/back.book.50
المشاركات: 1,593
Awt8

القصه السادسة عشر



موسى وهارون عليهما السلام

في الزمن الماضي كان يعيش في مصر ملك جبار طاغية، يعرف بفرعون، استعبد قومه وطغى عليهم، وقسم رعيته إلى عدة أقسام، استضعف طائفة منهم، وأخذ في ظلمهم واستخدامهم في أخس الأعمال شرفًا ومكانة، وهؤلاء هم بنو إسرائيل الذين يرجع نسبهم إلى نبي الله يعقوب-عليه السلام- وقد دخلوا مصر عندما كان سيدنا يوسف -عليه السلام- وزيراً عليها.

وحدث أن فرعون كان نائمًا، فرأى في منامه كأن نارا أقبلت من بيت المقدس، فأحرقت مصر جميعها إلا بيوت بني إسرائيل، فلما استيقظ، خاف وفزع من هذه الرؤيا، فجمع الكهنة والسحرة وسألهم عن تلك الرؤية فأخبروه بأن غلامًا سيولد في بني إسرائيل، يكون سببا لهلاك أهل مصر، ففزع فرعون من هذه الرؤيا العجيبة، وأمر بقتل كل مولود ذكر يولد في بني إسرائيل، خوفا من أن يولد هذا الغلام.

ومرت السنوات، ورأى أهل مصر أن بني إسرائيل قل عددهم بسبب قتل الذكور الصغار، فخافوا أن يموت الكبار مع قتل الصغار، فلا يجدون من يعمل في أراضيهم، فذهبوا إلى فرعون وأخبروه بذلك، ففكر فرعون، ثم أمر بقتل الذكور عامًا، وتركهم عامًا آخر.
فولد هارون في العام الذي لا يُقتل فيه الأطفال.

أما موسى فقد ولد في عام القتل، فخافت أمه عليه، واحتار تفكيرها في المكان الذي تضعه فيه بعيدًا عن أعين جنود فرعون الذين يتربصون بكل مولود من بني إسرائيل لقتله، فأوحى الله إليها أن ترضعه وتضعه في صندوق، ثم ترمي هذا الصندوق في النيل إذا جاء الجنود،
قال تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين)
[القصص: 7].

فجهزت صندوقًا صغيرًا، وأرضعت ابنها، ثم وضعته في الصندوق، وألقته في النيل عندما جاء جنود فرعون، وأمرت أخته بمتابعته، والسير بجواره على البر لتراقبه، وتتعرف على المكان الذي استقر فيه الصندوق. وظل الصندوق طافيًا على وجه النهر وهو يتمايل يمينًا ويساراً، تتناقله الأمواج من جهة إلى أخرى، ثم استقرت به تلك الأمواج ناحية قصر فرعون الموجود على النيل، ولما رأت أخته ذلك أسرعت إلى أمها لتخبرها بما حدث.

وكانت السيدة آسية زوجة فرعون تمشي في حديقة القصر كعادتها، ويسير من خلفها جواريها، فرأت الصندوق على شاطئ النهر من ناحية القصر، فأمرت جواريها أن يأتين به، ثم فتحنه أمامها، ونظرت آسية في الصندوق، فوقع نظرها على طفل صغير، فألقى الله في قلبها محبة هذا الطفل الصغير.وكانت آسية عقيمًا لا تلد، فأخذته وضمته إلى صدرها ثم قبلته، وعزمت على حمايته من القتل والذبح، وذهبت به إلى زوجها،
وقالت له في حنان ورحمة:
(قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون)
[القصص: 9].



فلما رأى فرعون تمسك زوجته بهذا الطفل، وافق على طلبها ولم يأمر بقتله، واتخذه ولدًا.
ومرت ساعات قليلة وزوجة فرعون تحمل الطفل فرحة مسرورة به، تضمه إلى صدرها وتقبله، وفجأة بكى موسى بشدة، فأدركت السيدة آسية أنه قد حان وقت رضاعته فأمرت بإحضار مرضعة لترضعه، وتهتم بأمره، فجاء إلى القصر عدد كثير من المرضعات، لكن الطفل امتنع عن أن يرضع منهن، مما جعل أهل القصر ينشغلون بهذا الأمر، واشتهر هذا الأمر بين الناس، فعرفت أخته بذلك، فذهبت إلى القصر، وقابلت السيدة آسية زوجة فرعون، وأخبرتها أنها تعلم مرضعة تصلح لهذا الطفل. ففرحت امرأة فرعون، وطلبت منها أن تسرع، وتأتي بتلك المرضعة، فذهبت إلى أمها فوجدتها حزينة على ابنها حزنًا كبيرًا، فأخبرتها بما حدث بينها وبين زوجة فرعون، فهدأت نفس أم موسى وارتاح بالها.
ذهبت أم موسى مع ابنتها إلى قصر فرعون، ولما دخلته أتوها بالرضيع، وبمجرد أن قدمت له ثديها أقبل عليه الطفل وشرب وارتوى،

وأخذت الأم ابنها إلى بيته الذي ولد فيه، فعاش موسى فترة رضاعته مع أبيه وأمه وإخوته، ولما عاد إلى قصر فرعون اهتموا بتربيته تربية حسنة، فنشأ وتربى كأبناء الملوك والأمراء قويًّا جريئًا متعلماً. كبر موسى، وصار رجلاً قويًّا شجاعًا، وذات يوم، كان يسير في المدينة فرأى رجلين يتشاجران، أحدهما من قومه بني إسرائيل، والآخر قبطي من أهل مصر، فاستغاث الإسرائيلي بموسى، فأقبل موسى، وأراد منع المصري من الاعتداء، فدفعه بيده فسقط على الأرض ميتًا، فوجد موسى نفسه في موقف عصيب، لأنه لم يقصد قتل هذا الرجل، بل كان يريد الدفاع عن مظلوم فقط، وحزن موسى، وتاب إلى الله ورجع إليه، وأخذ يدعوه سبحانه أن يغفر له هذا الذنب.

ولكن سرعان ما انتشر الأمر في المدينة، وأخذ الناس يبحثون عن القاتل، ليعاقبوه، فلم يعثروا عليه، ومرت الأيام، وبينما موسى كعادته يسير في المدينة؛ فوجد الرجل الإسرائيلي نفسه يتشاجر مع مصري آخر، واستغاث مرة ثانية بموسى فغضب موسى من هذا الأمر، ثم تقدم ليفض هذا النزاع، فظن الإسرائيلي أن موسى سيقبل عليه؛ ليضربه لأنه غضبان منه،
فقال له: (يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس)
[القصص: 19].

وعلم المصريون أن موسى هو القاتل، فأخذوا يفكرون في الانتقام منه، وجاء إليه من ينصحه بأن يبتعد عن المدينة. فخرج موسى من المدينة وهو خائف، يتلفت يمينًا ويساراً يترقب أهلها، ويدعو الله أن ينجيه من القوم الظالمين. خرج موسى وليس في ذهنه مكان معين يتوجه إليه، ثم هداه تفكيره إلى أن يذهب إلى أرض مدين، فتوكل على الله، وواصل السير إليها.

فلما وصل إلى مدين، توجه ناحية شجرة بجوار بئر، وجلس تحتها فوجد فتاتين، ومعهما أغنامهما تقفان بعيدًا عن الازدحام حتى ينتهي الناس، فتقدم موسى منهما، وسألهما عن سبب وقوفهما بعيدًا، فأخبرتاه أنهما لا يسقيان حتى ينتهي الناس من سقي أغنامهم، ويخف الزحام، وقد خرجا يسقيان لأن أباهما شيخ كبير لا يستطيع أن يتحمل مشقة هذا العمل، فتقدم موسى وسقى لهما أغنامهما، ثم عاد مرة أخرى إلى ظل الشجرة ليأخذ المزيد من الراحة بعد عناء السفر. وأخذ يدعو ربه
قائلاً: (رب إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير)
[القصص: 24].

ولما عادت الفتاتان إلى أبيهما، قصتا عليه ما حدث، فأعجب الأب بهذا الرجل الغريب وشهامته ومروءته، وأمر إحدى ابنتيه أن تخرج إليه، وتدعوه للحضور حتى يكافئه، فجاءت إليه إحدى الفتاتين لتخبره بدعوة الأب، فلبى موسى الدعوة، وذهب إلى إحدى الفتاتين لتخبره بدعوة الأب، فلبى موسى الدعوة، وذهب إلى هذا الرجل الصالح، فسأله الرجل عن اسمه وقصته، فقص عليه موسى ما حدث، فطمأنه الشيخ، وطلبت إحدى الفتاتين من أبيها أن يستأجر موسى ليعينهما فهو رجل قوي أمين.

وقد عرض الشيخ على موسى-عليه السلام-أن يزوجه إحدى ابنتيه في مقابل أن يعمل عنده أجيرا لمدة ثماني سنوات، أو عشرًا إذا شاء. فوافق موسى على هذا الأمر، وتزوج إحدى البنتين، واستمر يرعى الغنم عند ذلك الشيخ عشر سنين، ثم أراد موسى الرحيل والعودة بأهله إلى مصر، فوافق الشيخ الصالح على ذلك، وأكرمه وزوده بما يعينه في طريق عودته إلى مصر

سار موسى بأهله تجاه مصر، حتى حل عليهم الظلام، فجلسوا يستريحون من أثر هذا السفر، حتى يكملوا المسير بعد ذلك في الصباح، وكان الجو شديد البرودة، فأخذ موسى يبحث عن شيء يستدفئون عليه، فرأى ناراً من بعيد، فطلب من أهله الانتظار؛ حتى يذهب إلى مكان النار، ويأتي منها بشيء يستدفئون به. توجه موسى وفي يده عصاه ناحية النار التي شاهدها، ولما وصل إليها نداء يقول:
(يا موسى. إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى. وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى. إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري. إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى. فلا يصدنك نها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى)
[طه: 11-16].
ثم سأله الله-عز وجل-عما يحمله في يمينه.
فقال موسى:
(هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى)
[طه: 18].

فأمره الله-عز وجل-أن يلقي هذه العصا، فألقاها فانقلبت العصا وتحولت إلى ثعبان كبير يتحرك ويسير بسرعة، فولى موسى من الخوف هاربًا، فأمره الله -عز وجل-أن يعود ولا يخاف، وسوف تعود عصا كما كانت أول مرة، فمد موسى يده إلى تلك الحية ليأخذها، فإذا بها عصا كما كانت. وكان موسى أسمر اللون، فأمره الله-عز وجل-أن يدخل يده في ثيابه ثم يخرجها، فخرجت بيضاء ناصعة البياض، فكانت هاتان معجزتين من الله لنبيه موسى، لتثبيته في رسالته المقبلة إلى فرعون وملئه، ثم أمره الله-عز وجل-بالذهاب إلى فرعون لهدايته وتبليغه الدعوة، فاستجاب موسى لأمر ربه، ولكنه قبل أن يذهب أخذ يدعو ربه بأن يوفقه لما هو ذاهب إليه، ويسأله العون والمدد،
فقال:
(رب اشرح لي صدري. ويسر لي أمري. واحلل عقدة من لساني. يفقهوا قولي. واجعل لي وزيرًا من أهلي. هرون أخي. اشدد به أزري. وأشركه في أمري. كي نسبحك كثيرًا. ونذكرك كثيرا. إنك كنت بنا بصيرا)
[طه: 25-35].



فاستجاب الله-عز وجل-دعاءه، فتذكر موسى أنه قتل رجلاً من المصريين، فخاف أن يقتلوه، فطمأنه الله-سبحانه-بأنهم لن يصيبوه بأذى، فاطمأن موسى. وعاد موسى إلى مصر، وأخبر أخاه هارون بما حدث بينه وبين الله-عز وجل-، ليشاركه في توصيل الرسالة إلى فرعون وقومه، ويساعده في إخراج بني إسرائيل من مصر، ففرح هارون بذلك، وأخذ يدعو مع موسى ويشاركه في نشر الدعوة. وكان فرعون شديد البطش والظلم ببني إسرائيل فتوجه هارون وموسى -عليهما الصلاة والسلام-إلى ربهما يدعوانه بأن ينقذهما من طغيان فرعون.
فقال لهما الله تعالى مطمئنًا ومثبتًا: (لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى. فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى. إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى)
[طه: 46-48].



فلما ذهب موسى مع أخيه هارون إلى فرعون قاما بدعوته إلى الله، وإخراج بني إسرائيل معهم، لكن فرعون راح يستهزئ بهما، ويسخر منهما، ومما جاءا به، وذكر موسى بأنه هو الذي رباه في قصره وظل يرعاه حتى قتل المصري وفرَّ هاربًا، فأخبره موسى أن الله قد هداه وجعله نبيًّا، لكي يدعوه إلى عبادة الله وطاعته، ولكن فرعون لم يستجب له، فعرض عليه موسى أن يأتي له بدليل يبين له صدق رسالته. فطلب فرعون منه الدليل إن كان صادقًا، فألقى موسى عصاه فتحولت إلى حية كبيرة، فخاف الناس وفزعوا من هذا الثعبان، فمد موسى يده إليها وأخذها فعادت عصا كما كانت. ثم أدخل يده في جيب قميصه ثم أخرجها فإذا هي بيضاء ناصعة البياض.



ولكن فرعون يعلن في قومه أن موسى ساحر، فأشار عليه القوم أن يجمع السحرة من كل مكان لمواجهة موسى وسحره، على أن يكون هذا الاجتماع يوم الزينة، وكان هذا اليوم يوم عيد فرعون وقومه، حيث يجتمع الناس جميعًا، في مكان فسيح أمام قصر فرعون للاحتفال.
وسارع فرعون في إعلان الموعد لجميع الناس، ليشهدوا هذا اليوم، وكتب إلى كل السحرة ليعدوا العدة لذلك اليوم.. وجاء اليوم المنتظر، وتسابق الناس إلى ساحة المناظرة، ليروا من المنتصر؛ موسى أم السحرة؟



وقبل أن يخرج فرعون إلى موسى اجتمع مع السحرة، وأخذ يرغبهم ويعدهم ويمنيهم بآمال عظيمة إذ ما انتصروا على موسى وأخيه وتفوقوا عليهما، وكان السحرة يطمعون فيما عند فرعون من أجر ومكانة. وبعد لحظات خرج فرعون ومن خلفه السحرة إلى ساحة المناظرة، ثم جلس في المكان الذي أُعد له هو وحاشيته، ووقف السحرة أمام موسى وهارون -عليهما الصلاة والسلام-. بعد ذلك رفع فرعون يده إيذانا ببدء المناظرة. وعرض السحرة على موسى أحد أمرين؛ إما أن يلقي عصاه أولاً أو يلقوا عصيهم أولاً. فترك لهم موسى البداية. فألقى السحرة حبالهم وعصيهم، فسحروا أعين الناس، وتحولت جميع الحبال والعصيان إلى حيات تسعى وتتحرك أمام أعين الحاضرين، فخاف الناس من هول ما يرونه أمامهم، حتى موسى وهارون-عليهما السلام-أصابهما الخوف، فأوحى الله لموسى ألا يخف ويلقي عصاه، فاطمأن موسى وأخوه لأمر الله، ثم ألقى عصاه فتحولت إلى حية عظيمة تبتلع حبال السحرة وعصيهم. فلما رأى السحرة ذلك علموا أنها معجزة من معجزات الله وليست سحرًا، فشرح الله صدورهم للإيمان بالله وتصديق ما جاء به موسى فسجدوا لله الواحد الأحد، معلنين إيمانهم برب موسى وهارون. وهنا اشتد غيظ فرعون وأخذ يهدد السحرة،
ويقول لهم:
(آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى)
[طه: 71].

لكن السحرة لم يخافوا ولم يفزعوا من كلامه وتهديداته، بعد أن أدخل الله في قلوبهم نور الحق والإيمان،
فقالوا:
(لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا. إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى. إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى. ومن يأته مؤمنًا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى. جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى)
[طه: 72-76].


فغضب فرعون غضبا شديدا، وأخذ المضللون من قومه يحرضونه على موسى وبني إسرائيل، فأصدر فرعون أوامره لجنوده أن يقتلوا أبناء الذين آمنوا من بني إسرائيل، ويتركوا النساء، واستطاع فرعون بهذه التهديدات أن يرهب الضعاف والذين في قلوبهم مرض من قوم موسى، فلم يؤمنوا به خوفًا من فرعون وبطشه، وحتى أولئك الذين آمنوا لم يسلموا تمامًا من الخوف والرهبة من فرعون.فلما رأى موسى ما أصاب قومه من خوف وهلع، توجه إلى الله بدعاء أن ينجيه والمؤمنين من كيد فرعون. وأخذ فرعون يفكر في حيلة للخلاص من موسى، وذات يوم جمع أعوانه وعشيرته وأعلن لهم ما توصل إليه، وهو أن يقتل موسى. وبعد أن انتهى من كلامه إذا برجل من قومه وعشيرته قد آمن بموسى سرًّا
قول له:
(أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب)
[غافر: 28]
،

ثم أخذ يدعو المصريين للإيمان بالله ويحذرهم من العذاب. فأعرض فرعون عنه ولم يستمع إلى نصيحته.ومرت الأيام، وأخذ فرعون وأعوانه في تعذيب بني إسرائيل وتسخيرهم في العمل، ولم يسمع لما طلبه منه موسى في أن يتركه وقومه يخرجون من مصر إلى الشام فسلط الله عليهم أعوام جدب وفقر حيث قل ماء النيل، ونقصت الثمار، وجاع الناس، وعجزوا أمام بلاء الله-عز وجل-، وأنزل الله بهم أنواعًا أخرى من العذاب إضافة إلى ما هم فيه كالطوفان الذي أغرق زروعهم وديارهم، والجراد الذي أكل ما بقي من زروعهم وأشجارهم وسلط عليهم السوس، فأكل ما اختزنوه في صوامعهم من الحبوب والدقيق، وأرسل إليهم الضفادع، فأقلقت راحتهم، وحوَّل مياههم التي تأتي من النيل والآبار والعيون دمًا.



كل هذه البلايا أصابت فرعون وقومه، أما موسى ومن آمن معه فلم يحدث لهم أي شيء، فكان هذا دليلاً وبرهانًا على صدق ما جاء به موسى وأخيه هارون.ومرت الأيام، واستمرت تلك البلايا، بل إنها كانت تزداد يومًا بعد يوم، فذهب المصريون إلى فرعون يشيرون عليه أن يطلق سراح بني إسرائيل مقابل أن يدعو موسى ربه أن يكشف ذلك الضر عنهم، ويشفع لهم عند ربه هذا العذاب والضيق.فدعا موسى ربه، حتى استجاب له، وكشف ما أصاب فرعون وقومه من عذاب وبلاء. وزاد فرعون في عناده وكفره بالله، ولما رأى موسى إصرار فرعون على كفره وجحوده، وتماديه في غيِّه وتكذيبه بكل الآيات التي جاء بها، رفع يديه إلى السماء متوجهًا إلى الله متضرعًا ومتوسلاً إليه سبحانه أن يخلص بني إسرائيل من يدي فرعون وجنوده، وأن يعذب الكفرة بالعذاب المهين.



واستجاب الله-سبحانه وتعالى-دعاء نبيه ورسوله موسى، وجاء الأمر الإلهي إلى موسى أن يخرج مع بني إسرائيل من مصر ليلاً، ولا يخاف من العاقبة، وأخبره أن فرعون سيتبعه، ولكن الله منجيه هو ومن آمن معه وسيغرق فرعون وجنوده. فأخبر موسى بني إسرائيل بالخبر، وطلب منهم أن يتجهزوا للخروج معه إذا جنَّ الليل، فأسرع قوم موسى يتجهزون للرحيل من مصر، فهي الساعة التي طال انتظارهم بها. وسار موسى وقومه في اتجاه البحر، وبعد ساعات طويلة كان موسى ومن معه قد قطعوا شوطًا طويلاً على أقدامهم، ووصل خبر خروج بني إسرائيل من مصر إلى فرعون فهاج هياجًا شديدًا، وأصدر أوامره أن يجتمع إليه في الحال جميع جنوده. وفي لحظات اجتمع إلى فرعون عدد كبير من الجنود والفرسان، فأخذهم وخرج بهم يترقب أثر موسى وقومه حتى أدركهم عند شروق الشمس، وهنا تملك بني إسرائيل الرعب والفزع من هول الموقف الذي هم فيه، فالبحر أمامهم، وفرعون وجنوده من خلفهم، فراحوا يتخيلون ما سيوقعه فرعون بهم من ألوان العذاب والنكال، وظنوا أن فرعون سيدركهم لا محالة.

ولكن جاءتهم النجدة من الله(فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً لا تخاف دركاً ولا تخشى) فضرب موسى (عليه السلام) عصاه بالبحر، فانجاب الماء، وظهرت في البحر طريقٌ، وكان طول البحر الذي يلزمهم عبوره (أربعة فراسخ) فيا للهول، وقف الماء كأنه جمد، في حافتي الطريق، وفي الوسط طريق لاحب.خاف أصحاب موسى من العبور قائلين: كيف نعبر في الوحل؟ فأرسل الله الرياح، وأشرقت الشمس في الطريق فيبست، ثم ماذا؟قال أصحاب موسى: إنا لا نعبر في طريق واحد، ونحن اثنتا عشرة قبيلة، فمن يتقدم ومن يتأخّر؟فضرب موسى عصاه بالبحر حتى صار اثني عشر طريقاً، لكل سبط طريق والماء بين الطرق كالحاجز.. وهل من عذرٍ بعد؟ نعم.. قالوا لموسى كيف نعبر وبعض الأسباط لا يرى السبط الآخر، ولعل أذى يصيبه، لأن الماء حاجز بين الطرق؟ ورحابة صدر موسى العظيم تقبل حتى هذا العذر التافه، ويجعل له حلاً، إذ أشار موسى بــعصاه فصارت الحواجز كأنها شبابيك، يتمكن كل سبط أن يرى سائر الأسباط طول الطريق.





وهنا عرف فرعون أن بني إسرائيل نزحوا عن المدينة، فتعجّب إلى أين ذهبوا؟ وبعد التحقيق تبين أنهم فرّوا ليلاً في اتجاه البحر فثار فرعون وهيّأ جيشاً ضخماً، قوامه مليون وستمائة ألف جندي.واطمأنّ فرعون بالنصر، فإن الأمر لديه واضحٌ كل الوضوح، إنه ليست هناك سفن تقلّ أصحاب موسى عبر البحر، ولا طاقة لبني إسرائيل حتى يقاوموا جيش فرعون المنظم المسلّح، فما هي إلا عشية أو ضحاها، حتى ينتقم من الفارّين أشد انتقام؟وهكذا جاء فرعون حتى وصل إلى البحر وهنا رأى العجب! هاهي المياه تراكم بعضاً على بعض، حتى فتحت الطرق! ما أغرب هذا الأمر! وما العمل؟ خاف قوم موسى قائلين: (إنا لمدركون). لكن موسى لم يخف إنه واثق بفضل الله ونجاته. ووصل أصحاب موسى إلى منتصف البحر، حين وصل فرعون إلى أوّله.لقد خاف فرعون عاقبة الأمر، ولم يدر ماذا يصنع؟ أيرجع؟ وفي رجوعه الفشل الذريع، أم يبقى؟ وما فائدة البقاء؟ أم يسير في البحر وهو لا يأمن الغرق؟ إنه يعلم أنّ الأمر معجزة موسى (عليه السلام)، لكن هل بإمكانه أن يظهر ذلك لقومه، وهو يقول: أنا ربّكم الأعلى؟ وأخيراً قاده غروره، إلى أن يقول لقومه: إن انفلاق البحر معجزة لي، ولمّا علم بأني قاصدٌ صوبه، انجاب إجلالاً لكبريائي. وهل انطلت الكذبة على أصحابه؟ ذلك ما لا نعلمه، وإن كنّا نعلم أن الأذكياء من أصحاب المستبدين، يعرفون كل شيء، ولا يتمكنّون أن يتكلّموا بكلمة! تقدّم منجم فرعون قائلاً له: لا تدخل البحر فإنه خطر. وتوقّف فرس فرعون، فلم يدخل البحر.
ومن هناك أراد موسى أن يضرب بعصاه البحر خلفهم، ليرجع الماء كما كان، فلا يلتحق بهم فرعون.لكن كل ذلك لم يحل دون إرادة الله سبحانه.
فلقد أوحى إلى موسى قائلاً: (اترك البحر رهواً) ساكناً حتى يدخله فرعون وجنده (إنهم جند مغرقون). ولم يبال فرعون بقول منجّمه، إذ أبى ذلك غروره وكبرياؤه. وركب جبرئيل (عليه السلام) (رمكة) فدخل في البحر أمام حصان فرعون.. وتبع الحصان الرّمكة، فدخل فرعون، ودخل الجيش وراءه. وسار الجمعان أصحاب موسى، وأصحاب فرعون، وليس الفاصل بينهم، إلا ما يقارب نصف البحر، وكلّ قلق خائف: أصحاب موسى من العدوّ، وأصحاب فرعون من الغرق.وصل أصحاب موسى إلى شاطئ البحر مخلفين وراءهم البحر بطرقه، والعدو الذي يتبعهم حثيثاً. ووصل فرعون وأصحابه إلى وسط البحر...
وهنا، أمر الله الماء أن يرجع كما كان، وإذا بجبال الماء تلفُّهم في أعماق البحر، وإذا بهذا الجيش الكثيف يعلو وينزل في الماء، كأنه كرات بيد صبيان، وإذ أدرك فرعون الغرق (قال آمنت إنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) فقد انجاب عنه سحاب الغرور، وظهر لديه عجزه وحقارته، فقال: (وأنا من المسلمين). وهل ينفع هذا الإيمان؟ فإنه (ليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن).
ولذا ظهر له جبرئيل (عليه السلام) قائلاً: (الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين) لا، لا، لا ينفع مثل هذا الإيمان في النجاة من عذاب الآخرة، وضرب على فمه بكتلةٍ من (الحماة).

لكن هل يلفّ البحر جسد فرعون؟ كلا! إن الناس اعتادوا أن يزعموا بقاء العظماء والمتجبّرين على حد سواء، ولذا ظنّ بنو إسرائيل الذين ملأ قلوبهم جبروت فرعون: أنه لم يمت ولم يغرق، وهكذا زعمت البقية الباقية من القبط الذين لم يخرجوا مع فرعون لإدراك موسى. ولذا أبقى الله جسد فرعون قائلاً: (فاليوم ننجيك ببدنك) بعد إزهاق روحك (لتكون لمن خلفك آية) وعلامة على هلاكك، وأنك لم تكن ربّاً ـ كما كنت تقول ـ وهل يغرق الرب؟

لقد غرق الطاغية فرعون بعد ما فسد وأفسد، وضلّ وأضلّ، وطغى وتجبّر، فأين فرعون، وأين جلاوزته، وأين جلاّدوه، وأين سجونه، وأين أعوانه وأنصاره؟؟
لقد عبّر بنو إسرائيل البحر في سلام، وهاهم يرون أمام أعينهم غرق ألدّ أعدائهم، والمعاونين له في إيذائهم، فقد انقضى كلّ شيء، وانتهى أمر فرعون.
فلننظر إلى موسى وقومه..

فمن غريب الأمر أن يكون بنو إسرائيل، بعد هذا الاضطهاد والاستعباد، وبعد تلك المعجزات والغرائب، لم تتبلور في نفوسهم روحيّة التوحيد، فإنهم بعد ما خرجوا من البحر، (أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة)! وماذا يقول موسى العظيم لهؤلاء القوم؟ (قال موسى إنكم قوم تجهلون) وهل بعد هذه الآيات محلٌّ للكلام؟ لكن قد أُشرِب في قلب جماعة منهم حب الأوثان أليسوا قد عبدوا العجل بعد مدة أخرى أيضاً؟
هذا من ناحية.. ومن ناحية أخرى..(وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون) ينظر إليهم فرعون بنظر الضعف والمهانة (مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها) فقد صارت أراضي مصر وأراضي سوريّا، تحت سلطة موسى وقومه.(وتمّت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمّرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون) فقد دمّر الله سبحانه قصور فرعون، وبالأخص صرحه الذي بناه له (هامان). وذلك بأن ضرب جبرئيل (الصرح) بجناحه، فصار دكّاً ولم يبق منه أثر. أما مصر: فبعد أن هلك فرعون، بعث موسى جندين عظيمين من بني إسرائيل كل جند اثنا عشر ألفاً، إلى مدائن فرعون ـ ولعل البعث كان بالسفن ـ وتلك المدائن كانت خالية من أهلها، لم يبق منهم إلا النساء والصبيان والزمنى والمرضى والهرمى. وجعل الآمر على أحد الجندين (يوشع بن نون) وعلى الجند الآخر (كالب بن يوفنا) فدخلوا بلاد فرعون. هاهي البلاد خالية! وهاهو محل القوم الذين طالما عتوا وطغوا وبغوا في الأرض بغير حق! وهاهي قصور فرعون وبساتينه وحدائقه، خلت من الطاغية الذي سام هؤلاء أشدّ ألوان العذاب، فكان (يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم) تجاوب السوم في أرجائها، عوض المستبد العاتي الذي كان ينادي بملء فمه (أنا ربكم الأعلى) و(ما علمت لكم من إله غيري).

إنه من الطبيعي أن تجيش في صدور بني إسرائيل الذين يرون كل ذلك ألف جائشة وجائشة، ويتذكّروا أيّامهم الماضية التي قاسوها، تحت الذل والاستعباد، والظلم والاضطهاد.. كيف أخرجوا بغير حق إلا أن يقولوا: ربّنا الله؟ وكيف اضطرّوا إلى ترك بلادهم بدون مبرّر؟!
وكيف كان الأمر، فهل أمروا من قبل النبي الظافر موسى بن عمران (عليه السلام) بأخذ الغنائم، ولذا حملوا كنوزهم وأموالهم، وما أقلّت الحمولة من أثاث ورياش، كما أنهم باعوا قسماً مما وجدوا له مشترياً. أما الجيشان فقد قفلا راجعين إلى موسى، بعد ما خلّف (يوشع) رجلاً صالحاً على تلك البلاد، ليملأ الأرض بصوت التوحيد، بعد ما ملأها فرعون بصوت الكفر والوثنية. إلى أين مسير هذه الجماعة الغفيرة التي تقارب ثلاثة أرباع المليون؟
إن مثل هؤلاء الجماعة لابد وان يسكنوا بلداً يسعهم، ولكن أي البلاد يستطيع أن يرحب بمثل هذه الكثرة العظيمة؟ وكيف يتمكّنون من أن يعيشوا في بلاد غربةٍ بدون مؤهلات؟ إنها مشكلة كبرى لهم، وللبلد الذي ينزلون فيه، ولقائدهم موسى بن عمران (عليه السلام) الذي لابد وأن يلاقي الصعوبة من قومه ومن أهل ذلك البلد الذين يريدون النزول فيه.
ولا يتمكّنون من أن يعيشوا في برّيّة.. إذن فما العلاج؟

لقد حل الله المشكلة، فأوحى إلى موسى أن ينحو نحو الأرض المقدسة، أرض الشام، التي قدّست وبوركت بكثرة الأنبياء، وبكثرة الفاكهة والمياه، وطيب الهواء. وكان ذلك في نفس الوقت حلاً لمشكلتين: مشكلة هؤلاء النازحين، الذين يحدو بهم السير نحو بلاد يعيشون فيها آمنين، يؤدّون شعائرهم بكل حرّية، ويعبدون الله جهاراً، بلا خوف ولا رقابة.. ومشكلة الكفّار الذين كانوا في (الشام) وكانوا إخوان (فرعون) في العقيدة والعمل، فقد كان العمالقة الساكنون في (الشام) كفّاراً عتاةً يفسدون ويظلمون ويبغون في الأرض بغير الحق.
أما إذا جاء موسى وبنو إسرائيل وأخضعوهم، فإن صبغة البلاد تنقلب من الكفر إلى الإيمان، ومن الطغيان إلى العدل. أمّا.. لماذا لم يصمّم بنو إسرائيل على الرجوع إلى (مصر) مقرّهم، بعد هلاك عدوّهم؟ فكان ذلك بأمر الله الذي أراد لهم أن يسكنوا الأرض المقدّسة، ولعلّ الغرض من ذلك كان إرادة تطهيرها من الوثنية وعبادة الطاغوت، وقطع يد الظالمين عنها.

نزل قوم موسى عند نهر الأردن، وكان من المقرر أن يواصلوا السير حتى يصلوا إلى الشام، لكنهم خانوا وتردّدوا، أمّا موسى فلم يتردد، بل خاطبهم قائلاً: (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم) أن تدخلوها (ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين) بعدم إطاعة أوامر الله، فإن ذلك يوجب خسران الدنيا والآخرة.لكن القوم بقوا على عنادهم، فـ(قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبّارين) هم العمالقة الذين كانوا أقوياء في البنية، أشدّاء، منحرفي العقيدة والعمل (وإنا لن ندخلها) إذ نخاف أن تكون نساؤنا وأطفالنا غنيمة باردةً لهم، ونقع في أسرهم كما كنا في أسر فرعون من ذي قبل (حتى يخرجوا) أي العمالقة (منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون).

وقد همّ جماعة من بني إسرائيل بالانصراف إلى مصر، ثم إن موسى بعث من كل سبط من الأسباط الاثني عشر، رجلاً، ليروا وضع الأرض المقدسة، لعلّهم يتشجّعون على دخولها، لكن القوم رجعوا بعكس ذلك، وبعضهم عادوا خائفين وجلين مما شاهدوا من أمر العمالقة.
أمر موسى (عليه السلام) الرجال الاثني عشر أن يكتموا ما شاهدوا، لئلا يجبن أصحابه فكتم بعضهم، وأفشى الآخرون، مما زاد الأمر إعضالاً، واستبدّ القوم في عدم الدخول.
فـ(قال رجلان) هما (يوشع) و(كالب) (من الذين يخافون) الله ويتبعون أوامره، ممن قد (أنعم الله عليهما) بالإيمان والتقوى: يا قوم لا تخافوا و(ادخلوا عليهم) أي على العمالقة (الباب) باب المدينة، (فإذا دخلتموه فإنكم غالبون) فإن من الطبيعي أن يكون المهاجم رابحاً للمعركة ـ (فما غزي قومٌ في عقر دارهم إلا ذلّوا)ـ (وعلى الله فتوكّلوا) يا قوم (إن كنتم مؤمنين).

سخر القوم من كلام (يوشع) و(كالب) وأرادوا أن يرجموهما بالحجارة، وتوجّهوا إلى موسى قائلين: (يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها) فليس لنا طاقة بهم، وقد أُرهقنا في مصر، فلا نوقع أنفسنا في مشكلة ثانية لا ندري ماذا تكون عاقبتها، فإذا أردت أن لا نرجع إلى مصر (فاذهب) يا موسى (أنت وربك فقاتلا) العمالقة حتى تتغلّبا عليهم (إنا هاهنا قاعدون) فإن طهّرت البلاد منهم دخلناها، وإلا فلسنا نحن بداخلين.
هنا غضب موسى (عليه السلام)، وتحيّر ماذا يصنع بهم؟ بعد ما أنقذهم من يد عدوّهم (فرعون) وأراهم تلك الآيات البينات. ثم.. توجّه إلى الله سبحانه في ضراعةٍ قال: (رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي) هارون (فافرق) وباعد يا رب (بيننا وبين القوم الفاسقين) وإذ لم يسمع القوم كلام الله المنزل على نبيه، وخالفوا موسى بن عمران، استحقوا العقاب والعذاب.فقد أوحى الله تعالى إلى موسى (قال فإنّها) أي الأرض المقدسة (محرّمة عليهم) تحريماً تكوينيّاً، فإني لا أقسم دخولها لهم بعد ما عصوا وعتوا (أربعين سنة).
وماذا يكون مصير القوم إذن؟ إنهم في هذه المدة (يتيهون في الأرض) حائرين لا يرجعون إلى مصر، ولا يدخلون الشام، بل هم في هذه المدة تائهون في الصحراء (فلا تأس) ولا تغتم يا موسى (على القوم الفاسقين) مما ينالهم من الصعوبات في هذه المدة.

كيف يمكن أن يتيه قوم يبلغ عددهم ثلاثة أرباع المليون ـ تقريباً ـ في صحراء، يمكن أن يهتدي إلى الطريق فيها أنفار قليلون في أيام معدودات؟ لكن هذا الاستغراب يتلاشى لو علم الإنسان قدرة الله تعالى على كل شيء، وإنه سبحانه هو الذي أراد هذا التيه لبني إسرائيل عقوبة على ما اقترفوه من المعصية بعدم إطاعة موسى في دخول الأرض المقدسة.هذا.. مع غضّ النظر عن أن الشخص غير المسلم يمكن أن يرى بقاءهم في الصحراء في هذه المدّة طبيعياً، إنهم لم يكونوا يقدرون على الرجوع إلى مصر، بعد أن انقلعت عنها قلوبهم، كما انتقلت عنها أقدامهم، لم يكونوا قادرين ـ حسب زعمهم ـ على دخول الأرض المقدسة، لأن فيها قوماً جبّارين، ولا قبل لبني إسرائيل بهم. إذن فما من حيلة إلا البقاء في الصحراء، حتى ينكشف لهم الطريق الصحيح؟ والجمع الكثير يتمكّنون من إيجاد مرافق الحياة لأنفسهم حتى في المفازة ـ هكذا يعلّل الأمور من لا يريد الإيمان بالقدرة الإلهية المطلقة
egystar غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس

قديم 05-18-2010, 01:05 PM   #30


 الصورة الرمزية egystar

 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
الدولة: facebook.com/back.book.50
المشاركات: 1,593
افتراضي

يتبع(ان شاء الله)
egystar غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:25 PM.
 sitemap
سياسة الخصوصيه Privacy Policy
 
Powered by vBulletin


Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises
RehabMaroC.Com